الشيخ ابراهيم الأميني

91

تزكية النفس وتهذيبها

الدنيوية . يريد الإسلام من الناس أن يتعرفوا إلى الدنيا كما هي ، وأن يقيّموها بالمقدار الذي تستحقه لا أكثر ؛ أن يعرفوا سبب خلقتهم وخلقة العالم ، وأن يتحركوا بصدق في نفس المسير ؛ إذا كانوا كذلك كانوا من أهل الآخرة ، وإذا كان فعلهم وسلوكهم يخالف هذا الهدف كانوا أهل الدنيا . حقيقة الدنيا : لتوضيح الأمر نبين حقيقة وماهية الدنيا بحسب وجهة نظر الإسلام في البداية ثم نأخذ النتيجة . يعتقد الإسلام بوجود عالمين : الأول : هذا العالم المادي الذي نحيا فيه ويسمى الدنيا ، والآخر العالم اللاحق الذي ننتقل إليه بعد الموت ، ويسمى عالم الآخرة ، أو العاقبة . يعتقد بأن حياة الإنسان لا تنتهي في هذا العالم ، بل ينتقل بعد الموت إلى عالم الآخرة ؛ يعتبر الإسلام هذا العالم عالما فانيا ، ممرا يعبره الإنسان في طريقه فيقر فيه قليلا ، ثم يصل إلى الدار الآخرة والمكان الأبدي . لم يأت الإنسان إلى هذه الدنيا كي يحيا قليلا ثم يموت وينتهي الأمر ، بل جاء ليربي نفسه ويزكّيها ويكملها ، ثم يحيا حياة سعيدة في الدار الآخرة ، إذن . . الدنيا مزرعة الآخرة ، ومحل التجارة ومكان تحصيل الزاد . وإن كان لا بد للإنسان من الاستفادة من النعم التي خلقها اللّه له حتى يبقى حيا في هذه الدنيا ، لكن الاستفادة من النعم مقدمة لا هدف . لم يكن الهدف من خلقة الإنسان أن يحيا بهناء وراحة ، ورفاه فيتمتع باللذائذ والمتع أقصى ما يمكنه ، بل أريد له هدف أهم وأرفع وهو بناء جوهره الإنساني الشريف والسر والصعود إلى اللّه . ونشير إلى مجموعة من الأحاديث في هذا المجال ، من باب المثال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « فإن الدنيا لم تخلق لكم دار مقام ، بل خلقت لكم مجازا لتزودوا منها الأعمال إلى دار القرار ، فكونوا منها على أوفاز وقربوا الظهور للزيال » « 1 » .

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، خ 132 .